تونس و إسرئيل

قد يكون من الصعب النظر إلى مثل هذه العلاقة دون إعتبار فسيفساء الحدود السياسية والإيديولوجية التي ترسم خريطة هذا العالم. تونس و أصالتها العربية المسلمة و إسرائيل بمشروعها الانتقامي الوقائي في أرض الإسلام. هذه نظرة أغلبية الشعبين تتعهدها وسائل الإعلام و الحروب الموسمية التي يشنها أنصار هذه الإيديولوجيا أو تلك إلى أنا يشاء ربك. لكن لننظر إلى الأمر من باب عملي.
بغض النظر عن المسائل الإيديولوجية والعقائدية و هذه تقريبا مقاربة بورقيبة لإسرائيل طيلة فترة حكمه. تقنيا ماهو الإشكال مع إسرئيل ؟ لعل أول إشكال يبدر إلى ذهن التونسي (الذي لم يفقد الذاكرة بعد) هو عملية "الساق الخشبية" بتاريخ 1 أكتوبر 1985 والتي غارت أثناءها 10 طائرات F15 Eagles إسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية بحمام الشط بتونس. حصيلة الدمار : إستشهاد 50 فلسطيني و 18 تونسي. رغم المساعي الدبلوماسية والأخذ والرد أيامها بقي هذا الملف مهملا إلى اليوم على رف من رفوف الأمم المتحدة في شكل القرار عدد 573. الحصيلة الدبلوماسية: أمريكا التي باركت في أول الأمر الغارة الإسرائيلية من باب الدفاع على النفس (*) تتلاعب بالألفاظ بعد التحفظات التونسية لكن دون تغيير في وجهة النظر. و تبقى مطالب تونس بإدانة العدوان الخارجي المسلح والتكفل بمصاريف الأضرار المادية غير مجابة إلى اليوم رغم تصويت مجلس الأمن عليها في شكل القرار المذكور و الذي هاجمته إسرائيل بشدة.
طبعا أصول هذا العدوان على تونس معروفة. باستضافتها لمنظمة التحرير بلادنا وضعت نفسها في خانة الإرهاب أو على الأقل في خانة من يأويه من و هذا طبعا من وجهة نظر إسرائيلية (و أمريكية). هذا يعني أن أصل المشكلة بين تونس و إسرائيل إيديولوجي لا محالة. بل أذهب إلى أبعد من ذلك، لست أظن أن وجود أي تمثيل دبلوماسي للبلدين كان سيغير يومها شيئا في رد إسرائيل المتعجرف على التراب التونسي. و كأننا في حلقة مفرغة ... إذ معاملة إسرائيل تحول دون أي تقارب في الآراء و دون خلق أي فضاء دبلوماسي بناء. تبدو العلاقة مستحيلة بين البلدين على مستوى الشعوب (في غالبهم) و على المستوى الدبلوماسي. هي علاقة عدوان لم يعاقب بغض النظر عن القضية الفلسطينية و لست أر أي فائدة من فتح أو غلق موضوع التطبيع أن لم يكن ذلك أولا من أجل إسترجاع حق التونسيين الذين قصفوا بدون حق على تراب تونس. ثم لتونس من باب الأخوة أن تساند من تراه يمثل فعلا القضية الفلسطينية بإتخاذ القرارت اللازمة تجاه إسرائيل و ذلك في ما لا يتقاطع سلبا مع مصالح البلاد و شؤونها الداخلية السيادية.
هذا عن العلاقة العامة بين شعبين أو دولتين و لكن ماذا عن علاقة الأفراد ؟ تضامنا مع شهداء حمام الشط و مع إخوتنا في فلسطين، المواطن التونسي قد يقاطع السلع الإسرائيلية إن وجدها في السوق العالمية و قد يرفض السفر إلى إسرائيل سياحة أو تجارة أو لتقديم نتائج أبحاث و قد يوصد كل الأبواب التي يمكن أن يستفيد منها هذا الكيان و لكن لم قد يوصد الأبواب التي يمكن له كتونسي أن يستفيد عبرها من إسرئيل ؟ أخص بالذكر من هذه الأبواب العلم والتقنيات المبتكرة و لعلي لا أعلمكم شيئا جديدا عن التقدم الفاحش للإسرائيليين في ميادين مثل السلامة الإعلامية والفلاحة و الصناعات الكيميائية و غيره ... يعني هل يعقل أن يرفض باحث الاستناد إلى بحث أو إكتشاف إسرائيلي بتعلة المقاطعة أو أن يرفض الحضور في مؤتمر علمي يحضره بعض الإسرائيليين ؟ 
أذهب بكم إلى أبعد من ذلك. في إسرائيل نفسها إسرائيليون يدينون توجه دولتهم. هل تجوز مقاطعتهم و بينهم من سجن لتضامنه مع ضحايا إسرائيل ؟
خلاصة القول أن توجه الدولة له خصوصياته و ضوابطه (الداخلية و خاصة الخارجية) و لكن توجهات الأفراد أكثر مرونة. و أظن أن التونسي في تعامله مع هذه القضية يجب أن يكون مرنا. عليه أن يحدد علاقته بإسرائيل أولا من منطلق تونسي بحت، ثم  ربما من بعد ذلك من منطلق قومي (عروبي) و لكن عليه أن يدرك سوى ذلك أن الإسرائيلي لا يتلخص إجمالا في موقف حكومته المتغطرس. و هذا هو حال كل الشعوب مهما بلغت من الديمقراطية و من الحرية أعلى الدرجات فساسة العالم غالبا في محمى من أضرار سياساتهم التي لا تلحق سوى بعامة الشعب. في آخر الأمر إسرائيل حقيقة و واقع قد نكرهه لكن من الواجب التعامل معه و ذلك لا يكون أبدا بالتجاهل و الرفض القطعي و كما يقال: إعرف عدوك تتقي شره.
_______________________________________________________________
(*) : يقال أن هذه الغارة كانت ردا على عملية فلسطينية دارت قبلها بأسبوع في قبرص ضد 3 عناصر إسرائيلية مدنية. (1881)
 


08/02/2012
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 4 autres membres

 
Paperblog : Les meilleures actualités issues des blogs