ماذا لو أضربنا عن الإضراب ؟

"الضرب في الميت حرام"

عندما تتحول  ثورة تنادي بالحرية والكرامة والعدالة والتشغيل إلى مطالبة بتطهير ما يسميه البعض "إعلام  العار" و إقصاء جماعي لفئة معينة من الحياة السياسية دون أي وجه حق قانوني وإلى زيادات في أجور من حباهم  الله مسبقا بنعمة الشغل يمكننا فعلا الحديث عن ركوب للثورة أو عن ثورة مضادة.
أما الانقلاب الأول عن مبادئ الثورة فيتجسد في ضرب مبدأ حرية التعبير في الصميم و ذلك من خلال محاولة تطويع الإعلام و جعله ينفخ مجددا في بوق تمجيد الحكم وإنجازاته و مراعاة "ظروفه الصعبة". وأما الثاني فيتجلى من خلال ضرب مبادئ العدالة الأولية بالسعي لحرمان مجموعة من المواطنين من حقوقهم المدنية بحجة سياسية ودون الاستناد إلى قرارت قضائية. و أما الانقلاب الثالث وهو موضوع النص فيتمثل في أنانية مطلبية الترفيع في الأجوروالحال أن البطالة في البلاد لا تنفك تتفاقم. و في كل هذه الانقلابات على مبادئ الثورة تطرح مسئولية المواطن والدولة على حد سواء. فالأول قد يطالب والثانية قد تشجعه في مطالبه هذه و تقبل بها عن طواعية (إن لم تكن أحيانا وراء المناداة بها) أو قد تذعن لها وإن كرهت لتحقيق مصالح حزبية ضيقة.
منذ 14 جانفي 2011 والإضرابات من أجل الزيادات في الأجور تتتواتر وبكل صلف في قطاعات ليست دائما الأكثر حاجة إليها بحكم وضعها المتقدم.
فكان إضراب شركة تونس الجوية لتحسين وضعية عمالها الاجتماعية من أول الإضرابات التي جائت بها الثورة وتلته العديد منها في قطاعات مختلفة كانت أصلا تتمتع بوضعيات مريحة وآخرها الحراك العمالي للصناديق الاجتماعية منذ 15 جانفي الجاري. هذا الموضوع الذي يعود إلى سنة 2011 حين تعهدت حكومة الباجي قايد السبسي بتنفيذ مجموعة من الوعود بموفى سنة 2012 تشمل على سبيل المثال إدماج عمال المناولة بالإدارات التي يزاولون بها أعمال من نوع الحراسة والتنظيف وهي من المطالب التي يمكن تفهمها على أساس هشاشة وضع هؤلاء العمال والوضعية الاستغلالية التي كانوا يشكون منها والتي كانت تدر أرباحا هائلة على الشركات الخاصة التي كانت تشغلهم.
 
وآخر مستجدات ملف الضمان الاجتماعي تعود إلى بداية السنة الجارية حيث أصدرت نقابة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بيانا لإضراب قطاعي على خلفية عدم وفاء الحكومة (التي تغيرت في تلك الغضون) بوعودها. ومن البنود التي طالبت النقابة بتفعيلها نجد الزيادة في الأجور وتسوية بعض الإجراءات الإدارية الخاصة بالتقاعد والتأمين على المرض بما يتم به العمل في الصناديق الاجتماعية الأخرى (وغيرها من الإجراءات التي من شأنها أن تحسن آفاق العمل والترقيات في الصندوق) وأخيرا (والمفروض أنا لا يكون آخرا ) موضوع إدماج عمال المناولة. ثم تم العدول عن هذا الإضراب في آخر لحظة بعد التزام الحكومة بتنفيذ وعودها. إلا أنه و منذ أيام عاد هذا الموضوع إلى ساحة الجدل بعد حدوث سوء تفاهم بين النقابة والإدارة العامة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حول كتلة الأجور المزمع تقسيمها كزيادات ... نتيجة هذا النزاع الذي لم يحل إلى اليوم كانت إضرابا وحشيا عن العمل طوال جزء أو كامل الأسبوع الفارط من طرف بعض المكاتب الجهوية للصندوق (خاصة بتونس الكبرى) مما تسبب في تعطيل شؤون المواطنين في فترة استخلاص التصاريح بالأجور و نقصا في مداخيل الصندوق. أما النقابة التي لم يكن لها تدخل رسمي في هذا الحراك فقد سارعت بتبنيه منذ أيامه الأولى ملوحة بإمكانية التهديد بإضراب قانوني هذه المرة.
ومن المؤسف في هذا أن موضوع الخلاف لا يعدو أن يكون فارقا طفيفا في زيادة الأجور(وسلم الأجورفي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من بين  أحسنها  في القطاع العمومي) خاصة وأنه لم يتم التراجع عن مبدأ الزيادة كليا. و ماهو مؤسف أكثر قد يكون تعطيل تنفيذ بقية البنود والتي تهم  فئات أكثر أولوية (مثل إدماج عمال المناولة). وفي ظل ما انجر عن هذا الحراك الاجتماعي من طرح لخطايا التأخير عن التصريح بالأجور بالنسبة لعدد كبير من المؤجرين و لمدة أسبوع  قد يجدر بنا أيضا أن نتساءل عن من سيتحمل مسئولية هذه الخسائر؟ (والجواب هو المواطن بصفته المنتفع الرئيسي من مداخيل الدولة أو بصفته مضمونا اجتماعيا).
و من ناحية أخرى يجب أيضا التسائل عن مسببات سوء الفهم المذكور أعلاه : فالنقابة تتهم الحكومة بالتراجع عن اتفاق أبرمته معها ملقية بالمسئولية كاملة على هذه الأخيرة لكن أليس من الغريب أن يتم إبرام هذا الاتفاق بصفة غير دقيقة تفتح المجال للتأويل ؟ من هذا المنظور وحتى أن ثبتت سوء نية الحكومة فالمسئولية أيضا تلقى على الطرف النقابي (بصفته مؤتمنا على حقوق العمال و هم الطرف المطالب) و الذي كان عليه ضبط الاتفاق بصورة لا تقبل النقاش. 
 
"لو كان المهبول يأكل ويبة، العاقل ما يعطيهالوش"
عندما يتحدث وزير المالية المؤقت عن اقتراض الدولة لتسديد المطالب الاجتماعية لعملة القطاع العمومي فهذا هو الخور بعينه ! فمن جهة تجابه الحكومة المؤقتة بالعنف البوليسي والأسلحة المشوهة المطالب الاجتماعية لجهات مهمشة و محرومة من أبسط مرافق العيش الكريم ترزح أهاليها تحت ظلم البطالة وكابوس الفقر ومن جهة أخرى تسعى بكل الطرق إلى إرضاء الموظفين العموميين و منهم من ليس في حاجة ملحة إلى المعونة ! و هنا يكمن بيت الداء فهذا التخبط يزج بالبلاد في دوامة التداين دون أي بعد نظر : فلا مشاريع جديدة تبعث وتضرب غول البطالة في مقتل ولا مخططات ترسم لاستغلال القروض بكيفية تجعل نفعها يعود على جميع المواطنين و خاصة ذوي الحاجة الملحة منهم وربما على خزينة الدولة نفسها ! إنما هو تبذير للمال العام لإرضاء وقتي للقطاع العمومي : إذ سرعان ما تتعمم هذه المطالب إلى  قطاعات أخرى و سرعان ما تحين  آجال تسديد قروض لم تستثمر كي تولد أرباحا وهنا يكمن بئس المصير. و لعل أخطر السيناريوهات هو ذلك الذي قد تصل فيه الدولة قريبا إلى نقطة استحالة تسديد أجور القطاع العمومي فيكون المآل أشبه بمآل الصرار في أمثولة الصرار والنملة !
ولعل مربط الفرس هنا يكمن في هذا السؤال : لماذا تستجيب الحكومة لمثل هذه المطالب و هي تكلف الكثير للمواطن على المدى المتوسط بل والقريب ؟
وهنا لم أتوصل إلى إجابة تقنعني بسداد الرأي في تصرفها هذا : فإما هو ضعف في الرأي أو في الإرادة من طرف حكومة عودتنا بذلك وإما هي رغبة في استمالة القطاع العام لغاية في نفس يعقوب، فالانتخابات كما يشاع على الأبواب ولعله من الأصلح لأحزاب الترويكة أن تكون الإدارة لهم لا عليهم !


21/01/2013
0 Poster un commentaire

A découvrir aussi


Inscrivez-vous au blog

Soyez prévenu par email des prochaines mises à jour

Rejoignez les 4 autres membres

 
Paperblog : Les meilleures actualités issues des blogs